انت هنا : الرئيسية » المقالات "كتاب الوسط " » ظاهرة وادي الضيف الحلقة الثالثة

ظاهرة وادي الضيف الحلقة الثالثة

د.عبد المجيد الحميدي الويس

اشتدت الهجمة على الثورة والثوار , بعد أن شعر الداعمون للجيش الحر وللنظام بأن النظام بدأ يضعف وينهار ويتهاوى , ويوشك على السقوط , فزادوا في دعمه ماديا وعسكريا , عن طريق إيران وروسيا وحزب الشيطان , وبنفس الوقت قللوا الدعم عن الجيش الحر والثوار إلى أقصى حد ممكن , وبدأوا يتحكمون بمجريات المعارك , ويعملون على كسر شوكة الثورة والثوار , وإعطاء بعض زخم للنظام , ورفع معنويات جنوده التي بدأت تنهار , فعملوا على تحقيق انتصار ذو قيمة له , فكانت معركة القصير , وما جرى فيها من أحداث مؤلمة محزنة , وكذلك ما حصل في حمص البطولة والفداء والشجاعة والصمود الأسطوري , ولكن إرادة الداعمين اقتضت أن تدمر حمص , ويقتل الثوار فيها أو يهجروا , لتكون عاصمة الدولة العلوية القادمة في حال حصول خرق ما في دمشق , وخسارة النظام لوجوده فيها , فتكون حمص العاصمة البديلة عن دمشق , ويتم التقسيم الذي يخططون له , ومعها الساحل كله , واستطاعوا إخراج الثوار الأبطال من عدد من الأحياء الباسلة , وتحقق لهم ما أرادوا أو كاد ..
أما ما حصل في معركة الساحل , فهي الخيانة الواضحة , والتآمر المكشوف , والتدخل السافر من قبل الداعمين المتحكمين بمجريات الصراع , العابثين بأموالهم وأسلحتهم , بمصير الثورة , ودماء الثوار , وكانت معركة الساحل فضيحة بكل المقاييس والمعايير والقوانين , فقد تقدم الثوار ووصلوا إلى مشارف القرداحة , المدينة العلوية التي تلوثت بنجاسة آل الأسد وغلاة الطائفة , وهي تمثل معقل النظام , ورمز وجوده , وقبلة أتباعه , وتحوي قبر المجرم الكبير الذي وقف عليه البوطي ـ أخزاه الله ـ باكيا ـ وهو يؤبن ذاك المجرم , ويشهد له بالجنة , جمعهما الله في سقر , وفجأة تغيرت الصورة , وانقلب المشهد , وتحول سير المعركة عكسيا , وتراجع المقاتلون , وانسحب المجاهدون , بعد أن فقدوا عشرات الشهداء , إن لم يكونوا مئات الشهداء , ويعود النظام مدعوما بحزب الشيطان , وجلاوزته وأتباعه وميليشياته ومرتزقته إلى تدنيس الساحل السوري , واحتلالة والسيطرة عليه , ويتضح جليا للعيان بأن هناك مؤامرة مكشوفة على الثورة والثوار , يديرها من الخلف , مجموعة من الداعمين , ممثلة بأجهزة مخابرات عدد من الدول الداعمة , وكل هدفهم قتل أكبر عدد ممكن من المجاهدين والثوار والشعب العربي السوري المسلم السني , ومن العلويين والميليشيات الشيعية وغيرها أيضا , وبدا أن التوجه العام يسير نحو إطالة أمد المعركة , واستمرار المذبحة , مع أعطاء الضوء الأخضر للنظام باستعمال كل ما من شأنه إيقاع أكبر عدد ممكن من القتلى في صفوف المدنيين , وتدمير كل ما يمكن تدميره من حضارة وتراث وتاريخ ومعالم أثرية , ترمز إلى عراقة شعب , وعظمة أمة .
فاستعمل البراميل المتفجرة , ثم الحاويات المتفجرة , التي تحرق الأخضر واليابس , وتحول كل ما تقع عليه إلى كومة من الركام والأحجار والتراب , وإلى جثث متفحمة , وأشلاء متطايرة ..
ومع تراجع الثورة والثوار , ونقص الدعم لهم , وشراسة العدو وتغوله وإصراره على القتل والإجرام , واستشهاد خيرة الرجال من القادة الميدانيين المخلصين , ووصول كثير من الثوار إلى مفترق طرق , إما ترك الثورة والقتال والحرب والمعارك والسلاح , والانصراف عنها إلى غير رجعة , بعد أن بدأ اليأس يدب إلى نفوسهم , فالانحراف الذي بدأ يلف مسيرة الثورة , يأخذ كثيرا من معنوياتهم وحماستهم , وضعف الإيمان , والشك أخذ يراود إيمانهم بصحة ما يقومون به , وصدق ما يفعلونه , فكان أن ترك كثير منهم موقعه , وأخلاه لبعض المنتفعين , الذين وجدوا في الثورة ميدانا رحبا لظهورهم وبروزهم , وجمع الأتباع حولهم , واستغلال الغنائم والدعم الخارجي لتكوين زعامة عسكرية ومالية ومافيوية , فتحولوا إلى مقاتلين مرتزقة , يعملون بالأجرة , وبالقطعة , وباليومية , وبحسب المهمة الموكلة إليهم , ويكسبون المال ويجمعون الأتباع , حتى شكلوا إقطاعات وممالك ومراكز نفوذ , ولم يتورعوا أن يمدوا جسورا مع النظام نفسة , ويقيمون معاهدات واتفاقات سرية أو علنية , تحمي المنطقة التي يريد , وتمنع عنها المعتدين الذين يحاولون الوصول إليها , والنيل مما فيها , فضلا عن تحريرها واجتياحها والسيطرة عليها ..
لقد وصل الأمر بهؤلاء المجرمين إلى التحول لقتلة بالأجرة , وممارسة التعسف والجور والبلطجة والاغتصاب والتسليب والنهب والظلم والجور على الشعب والناس والمقاتلين أيضا , وانقلب كثير من المؤمنين بالثورة إلى كافرين بها , لاعنين اليوم الذي انطلقت فيه , مترحمين على مخابرات النظام وأجهزته وتعذيبهم وسلبهم ونهبهم , وأنهم أرحم بكثير من قادة الثورة الجدد الذين يرتكبون أبشع الجرائم باسم الثورة , وكل هذا يجري بتخطيط وتدبير من النظام , ومن الداعمين للثورة الذين يعملون على تخريبها وإسقاطها وتفريغها من محتواها ومعناها وأهدافها , لتصل بالنهاية إلى الطريق المسدود , وتنتهي وتسقط كما سقطت غيرها من الثورات , وينتهي هذا الحلم الكبير الذي تتعلق به آمال شعب , وتنظر إليه أحداق أمة , ويرقبه أهل الأرض جميعا .. 

د عبدالمجيد الحميدي الاوسي

د عبدالمجيد الحميدي الاوسي

اكتب تعليق

التخطي إلى شريط الأدوات
الصعود لأعلى