انت هنا : الرئيسية » المقالات "كتاب الوسط " » أ - المحامي علي العكش » الأمة التي ليس لها ماضي جديد هي الأمة المهزومة بقلم المستشار ” علي العكش “

الأمة التي ليس لها ماضي جديد هي الأمة المهزومة بقلم المستشار ” علي العكش “

بقلم المستشار : علي العكش

إن تمسكنا بتراث أمتنا الإسلامية ودفاعنا عنه لا يُعَدُّ تعصبًا وليس وقوفًا على الأطلال كما يتوهم البعض ـ وإنما هو من قبيل حفظ مجد الأمة الذي تسلمناه ممن قبلنا وعلينا واجب تسليمه لمن خلفنا على أحسن وأكمل وجه
وفي آداب القوم وقصصهم دلالات خلقية في التربية والسلوكية السليمة لمنهج الشريعة ـ لنحذو حذوهم ولتكون لنا العبرة والموعظة الحسنة فالأمة التي ليس لها ماضي جديد لن يكون لها مستقبل ـ وهي الأمة المنشطرة والمرشحة للذوبان والتلاشي
قال تعالى : ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ )
صدق الله العظيم
ففي مثل هذا اليوم من عام ( 1916 م ) وقعت معركة : ( كوت العمارة ) ليوم / 29 / نيسان / 1916 م /
وهي المعركة التي انتصرت بها قوات الجيش الإسلامي لدولة الخلافة العثمانية ـ على القوات الصليبية البريطانية ـ وقد وقعت المعركة في مدينة الكوت ـ جنوب شرقي العاصمة العراقية بغداد
وقد بذلت بريطانيا جهود كبيرة لإخفاء هزيمتها الساحقة أمام الدولة العثمانية في معركة ( كوت العمارة ) وحاولت حذف المعركة من المناهج الدراسية في تركيا لجعل المسلمين الأتراك يجهلون الانتصار التاريخي الذي حققه أجدادهم ضد البريطانيين آنذاك
وقد اعتاد الشعب التركي على الاحتفال بنصر تلك المعركة لكل عام ـ وبقي ذلك اليوم على قائمة الاحتفالات الوطنية الرسمية حتى عام 1952م حيث تم تقليص حجم الاحتفالات بهذه المناسبة ـ تحت الضغط البريطاني وبالتعاون مع ثلة العلمانيين إبان انضمام تركيا إلى حلف الناتو
ولذات الوقت فقد عملت الصهيونية المسيحية لذات الهدف ومن خلال سفلة القوم من الحكام العرب المستأجرين الذين كرسوا أنظمتهم الإستبدادية لخدمة مشروع تجزئة الأمة وإبعادها عن تاريخها وإرثها الحضاري من خلال إحتكار السلطة والتركيز على القمع والتسلط وإستحمار الشعوب وتجاهل إراداتها الذي قاد لمزيد من الهزائم والإنشطارات – التي مارسها كهنة الحاكم الطاغية ـ باسم الدين حينا ـ وباسم القومجية ـ والوطن والوطنية ـ أحينا أخرى من خلال مؤسسات ترهلت بالفساد والإفساد ومن خلال تسويق إعلامي عاهر ـ والذي بدوره شكل سحابة ضباب أبقت الجماهير في حالة فقدان الوعي التام وفي غفلة من تاريخها ـ لتساق الرعية كالبهائم
ولتذبح على عتبة الطاعة لولي الأمر الإله : ( مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ )
صحيح أن التاريخ لا يعيد نفسه ـ وأن المياه لا تجري في النهر مرتين ـ لكن الحوادث قد تتشابه في مغزاها ـ وقد تمضي في ما يشبه القانون أو الإتجاه العام – ودورات حياة الأمم قابلة للتجدد ـ وقابلة للسقوط أيضًا ـ وكما للنهوض قوانينه – فإن للسقوط ايضًا ـ مقدماته وتداعياته ـ فالأمم تخلق من رماد المحن لا من زبد الأحلام
وبهذه المناسبة يقول المؤرخ التركي مصطفى أرم غان : ( إن بريطانيا أرادت مسح الانتصار العثماني الكبير عليها من ذاكرة الشعب التركي المسلم ـ لأن الحدث لم يكن بسيطًا بل هو انتصار على جيش دولة قوية على مستوى العالم آنذاك ـ لذلك سعت جاهدة إلى تضليل الرأي العام التركي والعالمي في هذا الخصوص )
وقد جاء انتصار الجيش العثماني كحدث تاريخي في حينها وذلك من حيث أن بريطانيا لذلك التاريخ كانت هي القوة العظمى والجيش الذي لا يهزم كحال أمريكا لتاريخنا المعاصر – فالهزيمة كانت محرجة جدًا بالنسبة للبريطانيين الذين اقترحوا على قائد الجيش العثماني مليون جنيه استرليني لقاء السماح للجيش البريطاني بالانسحاب ـ فكان الرد لهم من قبل القائد المسلم خليل باشا :
( لا حاجة لنا لنقودكم ـ وما عند الله خير وأبقى ـ ونحن قوم لا نبيع انتصاراتنا بحفنة جنيهات ـ ولا سبيل لكم إلا بالاستسلام والإذعان )
وعندما أعيتهم الحيلة وفشلت مساعيهم في محاولة رشوة قائد الجيش العثماني ـ عمد قائد الجيش البريطاني ( تاون سند ) وخلال الليل لإتلاف أسلحة جيشه منعًا من وصولها للجيش العثماني والاستفادة منها ـ ثم أخذوا لصباح اليوم التالي بالاستسلام للجيش العثماني وتم إرسال قائد الجيش البريطاني ومعاونه ومستشاريه الثلاثة كأسرى حرب لعاصمة الخلافة :
( إسطنبول )
وكانت حصيلة المعركة : استسلام ( 13 ) جنرال بريطاني ـ و ( 481 ) ضابطًا ـ و ( 13 ألف و 300 جندي ) من الجيش البريطاني ومرتزقته ـ وبذات الوقت انسحبت القوات التي جاءت لإنقاذ الجيش البريطاني المحاصر بعد أن سقط منهم ( 20 ألف قتيل ) مع الإشارة أن هذه القوات الأخيرة دخلت تسللًا وبالخديعة من خلال ارتداءهم الزي العربي وذلك من خلال ميناء العقبة بالأردن ـ وبالتنسيق ما بين الأمير المغفل الشريف حسين والعميل الصهيوني لورنس العرب ـ
وبهذه المناسبة فقد كتب العقيد ( قره بكر ) قائد الفيلق العثماني الثامن عشر : ( الحمد لله الذي وهبنا نصرًا لم يشهد له التاريخ مثيلًا ـ فإنها المرة الأولى التي تدخل بها حربة الجيش العثماني المسلم في صميم التاريخ البريطاني )
وكتب المؤرخ التركي ـ أردف : ( كتب التاريخ الحديثة وتحت ضغط العلمانيون فإننا لا نستطيع أن نقول : إننا انتصرنا على البريطانيين في معركة كوت العمارة ـ ونكتفي بالإشارة إلى هزيمتهم دون إظهار الطرف المنتصر ـ وقد واجهت الدولة التركية محاولات عدة لإخفاء هذه الحقيقة التاريخية تحت ضغط العملاء لدول الغرب الصليبي )
وبهذه المعركة فقد سجّل الجيش العثماني ثاني أكبر انتصاراته خلال الحرب العالمية الأولى ـ وعُدّ حصار الكوت الأطول والأشد خلال الحرب ـ وانتهى الحصار بعد
( 147 ) يومًا بهزيمة الجيش البريطاني بالكامل ـ وكان قوامه ( 13 ) ألف جندي
ووفقًا لوثائق عسكرية ـ فقد وصف القائد الجيش العثماني آنذاك خليل باشا الحرب بقوله : ( نحن أمام فرق كبير إلى درجة تدهش العالم ـ سيجد المؤرخون صعوبة في إيجاد كلمات لوصف هذه المعركة ـ كانت معركة جناق قلعة النصر الأول الذي كسر فيه ثبات العثمانيين عناد الإنجليز وأعوانهم ـ وأمامنا هنا النصر الثّاني في معركة كوت العمارة )
معلنًا النصر الساحق على القوات الصليبية البريطانية الغازية
ووصف المؤرخ البريطاني جيمس موريس معركة الكوت بأنها :
( الاستسلام الأكثر إذلالاً في التاريخ العسكري البريطاني )
ولتاريخنا الحديث تعمل حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا لإعادة بث الروح المعنوية في صفحات التاريخ الإسلامي لتعيش بيننا ومضات مشرقة ـ ولتتذكر الأجيال من أبناء الشعب التركي المسلم وأبناء أمة المسلمين ـ بالانتصارات التي حققها الأجداد على قوى الشر العالمية ـ الذين تأمروا على دولة الخلافة الإسلامية ـ وطمسوا التاريخ بأكاذيب مزورة ومزيفة بقصد الإذلال والتقزيم لتاريخ الأمة الإسلامية
قال الله تعالى :

( وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ )
السبت : / 2 / 8 / 1438 / هجري ـ الموافق / 29 / 4 / 2017 م /

اكتب تعليق

التخطي إلى شريط الأدوات
الصعود لأعلى