انت هنا : الرئيسية » المقالات "كتاب الوسط " » الكاتب " سعد الدين البزرة" » دور الفساد ” بقلم الكاتب والمفكر سعدالدين البزرة”

دور الفساد ” بقلم الكاتب والمفكر سعدالدين البزرة”

دور الفساد
بقلم سعدالدين البزرة

الكاتب والمفكر “سعد الدين البزرة”

{وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة : 205]
الجذر الثاني الذي يصنعه الانسان لخراب المجتمعات بعد الاستبداد هو الفساد، الذي ينخر سوسا في أوصال المجتمعات، ويحولها الى كيان ضعيف مريض يؤدي وظائفه الأساسية بكل تباطئ وثقل، ودون اي تطور ايجابي.

لقد ابتلينا نحن أمة العرب والإسلام بمرض الفساد لدى القادة، والزعماء، والامراء، والملوك، والرؤساء، وغيرهم، منذ ان تولى الحكام المستبدون مقاليد الحكم بالطرق المشبوهة، فأعملوا يد الخراب في مقدرات الناس، وكراماتهم، وانسانيتهم، وحقوقهم، وحاجاتهم.
لقد سيطر مفهوم الفساد على عقول الأجيال المتعاقبة، عندما أدركت هذه الاجيال أن الاصلاح والخير والفضيلة لا تتوفر إلا في الأحلام والأماني.
لجأت الناس عندها إلى انتهاح كل وسائل الفساد لتأمين مصالحها اليومية الحياتية، وصار الفساد جزءا من الشخصية الثقافية للناس!! ومعلما رئيسا للمجتمعات.

 

{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص : 77]

 

تنص قاعدة رائعة في الاسلام على أن لا يحرم الانسان نفسه من نعم الدنيا، ولكن عليه ان يخوض في لججها بطرق شريفة سوية مترفعة عن كل اشكال الفساد والظلم والاستبداد.
ينطبق هذا الكلام على كل من حاز نعيما من مال وسلطة ونفوذ، سواء كان حاكما او محكوما.

لم تك نعم الدنيا حكرا على قوم دون قوم، بل هي لكل سكان المعمورة، شريطة ان تكون اليد العاملة فيها لاستخلاصها شريفة طاهرة مترفعة عن كل أشكال الفساد، وحين ذاك ستضع الدنيا نفسها لطلابها ليستزيدوا من نعيمها، دون ان تتحول تلك المجتمعات الى محميات المآسي الحضارية والمدنية.

ان الله يمقت الفساد والمفسدين فالحياة والارض وعناصرهما وضعت لكي تجري بسنن الصلاح والعدالة والنفع، وليس بسنن الإضرار والخراب والظلم والاستبداد .
{فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ} [الفجر :
12]
قاعدة ربانية لا تعرف المجاملة وهي ان من ينتهج الفساد في تناول شؤون الحياة على المستوى الفردي أو الجماعي، وعلى مستوى الشعوب أو الحكام، وعلى مستوى ممارسة الشأن العام والخاص، سواء على مستوى القيادة او غيرها، فلن يكون بمنجاة من سوء العاقبة سواء على الارض او عندما نلقى الله جميعا في يوم الحساب، وان حال التمادي في الظلم والطغيان والتخريب سيكون الى زوال لأن طبيعة الظلم غير دائمة (مؤقتة).. كما هو في صلب شريعة الاسلام.
{وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ۖ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف : 86]
تهديد صريح لكل يسلك سبل الفساد والتخريب والتدمير والتفجير والقتل في المجتمعات الآمنة المسلمة وغيرها، فيمنع وصول الحق للناس، ويحاول تاليبهم عن الصراط السوي المعتدل، ويقطع طرق الاصلاح والنفع للناس، ويغشى أساليب المكر والخديعة والاجرام ليضلل الناس عن الحق، ولكي يستولي على مقدراتهم، بالطرق الملتوية المشبوهة… فأمثال هؤلاء يستحقون النهايات الاليمة البشعة في الأرض، وكذاك عند ملاقاة الله في الآخرة.
{أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص :
28]

ان مقتضى الايمان في الاسلام أن يكون عمل الخيرات مرافقا لهذا الايمان، فلا يكتفى بتبني حالة الايمان عند المسلم، ما لم يرافق ذلك إحدى حالات فعل الخيرات التي لا تعد ولا تحصى في هذه الدنيا..ونحن للأسف حتى هذه اللحظة لم نستطع التركيز إلا على قضية الايمان، ولم نشفع معها الحالات العملية المرافقة لهذا الايمان، فالحياة حولنا تحتاج الى ثورة مستمرة في عالم العطاء والنفع والخير للإنسان المسلم ولغيره من بني البشر.
ان المتقين هم ممن حمل الإيمان في قلبه، واستحضر الخوف والمراقبة من الله، وأبدع في مجال العطاء الانساني المعنوي والمادي.
ان مدى التحدي للمتقين مفتوح في كل يوم وفي كل لحظة لنثبت لرب العباد ان الايمان به سيقود الى مزيد من فعل الخير والبناء والعطاء على المستوى الانساني، بعكس واقع اؤلئك الفجار الفاسدين المفسدين الذين لم يدركوا ان للحياة البشرية اصول وطرق معتبرة معمورة بالتوحيد والأخلاق والفضيلة، للوصول الى المزيد من حالات المدنية النافعة والحضارية الراقية.
{أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ} [البقرة : 12]
ينتابنا الحسرة أحيانا على اؤلئك الذين لم ينتبهوا لأنفسهم نتيجة جهلهم وعنادهم وغرورهم وهم يلجون في بحور الفساد المختلفة، فقد يكون الفساد مستحكما في العقيدة او النظرة الى الحياة، وقد يكون الفساد في طرق تناول الحياة ومواجهتها. .
يترتب على اصحاب الفكر المخلصين المختصين في كل مكان وفي كل زمان أن يمسكوا بمعول او بأداة الإصلاح لتصويب ما في النفوس والعقول لمنعها من خوض بحار الفساد والخراب في النفوس والمجتمعات ..

الكاتب والمفكر : سعد الدين البزرة 

اكتب تعليق

التخطي إلى شريط الأدوات
الصعود لأعلى