انت هنا : الرئيسية » المقالات "كتاب الوسط " » أ - المحامي علي العكش » اغتيال السفير الروسي بين الفعل وردة الفعل

اغتيال السفير الروسي بين الفعل وردة الفعل

اغتيال السفير الروسي بين الفعل وردة الفعل

علي العكش

بقلم المستشار علي العكش 

إن توغل القيادة الروسية في القتل والتدمير للشعب السوري وخرقها لكافة القوانين والأعراف الدولية وقواعدها التي تصدح بها الأمم المتحدة وعليها تأسست محاكم لاهاي لجرائم الحروب ـ كان ذلك نتيجة لسياسة أوباما التي حولت أميركا في المنطقة العربية لتأخذ دور الوسيط الحصري ـ وتركت القيصر الروسي ليلعب دور اللاعب الحصري من خلال الملف السوري ـ وهو ما دفع بالسياسة الأمريكية للإفلاس تجاه ما يجري في المنطقة فالناتو ومنذ تسعينات القرن الحالي عمد لتقليص الجغرافية العسكرية الروسية في المنطقة ـ ولأجل ذلك عمد بوتين للإفراط في عدم خسارة سورية باعتبارها آخر معاقل روسيا في المنطقة العربية ـ وهذا ما دفع بوتين ليجعل من سورية خط المواجهة الأول ضد خطر الدرع الصاروخي الغربي ـ وكان للتدخل العسكري الروسي في سورية شأن بالغ الأهمية في انهاء العزلة الدبلوماسية التي أحاطت بروسيا للسنوات الأخيرة ـ ومن ذلك جاءت وحشية الطيران الروسي في سورية ـ وهو ذات السيناريو الذي عملت عليه في القرم وغروزني التي قصفتها بشكل همجي متوحش خلف تدميرًا كاملًا للبنية التحية وقتلًا وتهجيرًا للمواطنين وبالمقابل فإن دول الغرب الصليبي والساسة الأمريكان عملوا لتأجيج القلق والصراع في منطقتنا العربية ـ باتباع سياسة تحقيق القدر الأكبر من الدمار من خلال إحداث الفوضى تمهيدًا لتأسيس نظامهم العالمي الجديد ولتحقيق مآربهم كان لا بد من دفع الجانب التركي للانخراط في الحرب الدائرة منذ بداية الثورة السورية ـ وصولًا لاستنفاذها وتدمير أي مشروع مستقبلي تعمل عليه تركيا لصالح الأمة الإسلامية ـ فالهدف الأساسي والأهم بعد تدمير الدولة السورية هو تركيا وعزلها عن محيطها الإسلامي لمنع أي تفاعل إيجابي لها لصالح دول المنطقة وأمنها واستقرار شعوبها ونهضتها في إطار توحيد الأمة ـ وبعد فشلهم في محاولة الانقلاب على الحكومة الشرعية في تركيا ـ تجلت سياستهم في العمل لإضعاف تركيا اقتصاديًا كهدف استراتيجي عملوا عليه بعناية فائقة وصولًا لمنعها في القليل من السنوات القادمة من التحول إلى قوة دولية مؤثرة في رسم مشهد المستقبل العالمي ومن خلال هذا يمكننا أن نقرأ أن محاربة الارهاب من قبل أمريكا ودول الغرب ليس إلا حرب ( وهمية ) لما هم صنعوه وابتغوا منه وسيلًة ـ وليس ( هدفًا ) هذا وقد أعيا الحكومة التركية ومنذ بداية الثورة لما تقدمت به من مشروع للحل في سورية لا يستفيد منه النظام القاتل بالمطلق ويتمثل بخطوته الأولى بالعمل على إيجاد منطقة أمنة للسوريين الفارين من قصف النظام لمدنهم وقراهم ـ وتكون الخطوة الثانية في إسقاط النظام من قبل ذات السوريين وبأيديهم ـ وقد صم الجميع آذنيه عن سماع الحل التركي ـ الذي لا ينسجم مع المشروع الأمريكي في تقسيم سورية لأربع دول ـ ولذلك كانت العملية العسكرية ( درع الفرات ) التي أقدمت عليها تركيا هي بمثابة الرد العملي برفض تركيا لمشروع تقسيم سورية ـ وجعل المنطقة الآمنة أمر واقع ومن خلال ما تقدم يمكننا أن نقرأ اغتيال السفير الروسي في العاصمة التركية أنقرة من قبل ضابط أمن مرافق له ـ وهو بذات الوقت موظف رسمي يمثل الحكومة التركية التي أعطته المأمَّن عندما اعتمدت أوراقه سفيرًا لبلاده في أنقرة فكان بمنظور الشريعة الإسلامية بالنسبة لتركيا شخصًا معتمدًا لا يجوز قتله ولا الاعتداء عليه ـ وكذلك الحال حسب قوانين العلاقات الدولية الناظمة في ذلك وبالمتابعة لمقاطع الفيديو لمنفذ عملية الاغتيال وهو يصرخ ( لا تنسوا حلب ) تذكرنا بما حصل عام ( 1982 م ) عندما أقدم ثلاثة عناصر من منظمة صبري البنا الملقب أبو نضال الذي انشق عن منظمة فتح الفلسطينية لعام ( 1974 م ) تحت مسمى : ( المجلس الثوري الفلسطيني ) على محاولة اغتيال السفير الصهيوني في لندن ( شلومو أرغون ) والتي كانت السبب المباشر في اخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان إلى تونس والتي لعب بها دورًا خبيثًا المقبور الماكر حافظ الأسد وبتوجيهات صهاينة تل أبيب لترحيل منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان ـ حيث أعطى المقبور بتاريخه ضمانات للأميركيين بعدم تحريك قواته للدفاع عن الفلسطينيين واللبنانيين في بداية الغزو الاسرائيلي للبنان تاريخ : / 6 / 6 / 1982 م / طالما التزمت دولة الصهاينة بإقامة منطقة آمنة داخل الاراضي اللبنانية وعلى امتداد 40 كلم ـ وتسليم مهمة ذلك لحزب اللات الذي كان طور التشكيل والتنامي لتأخذ المقاومة شكلها الزائف من خلال العمل على شعارات رنانة براقة ـ التي ما انخدع بها إلا البسطاء من الشعوب العربية ـ ولتاريخ الثورة السورية تجلت المهمة الأجدر لحزب اللات في إمعانه في قتل الشعب السوري المسلم ـ وفق توجهات صهيونية مجوسية وبمباركة أمريكية غربية انطلاقًا من التوجه العدائي لهم ضد الإسلام وأمة المسلمين ـ واعتبار ذلك جزء من منظومة القِيَم الغربية ومن خلال تفعيل قاعدة الفعل وردة الفعل في حسابات السياسة : نستطيع القول بأنّ ( مولود ميرت ألت نطاش ) منفذ عملية الاغتيال ـ تم تدريبته وتنشئته بصورة احترافية ـ خاصًة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أنه تلقى دراسته في مدرسة خاصة تابعة للخائن كولن ـ وأنه سبق وأخذ إجازة ليومين لتاريخ محاولة الانقلاب الفاشلة ـ وقد تمثل في عملية الاغتيال الشخصية الإسلامية وهو يردد عبارات التكبيرـ وذِكره لمدينة حلب وكان البعض من عباراته ( قصدها ) باللغة العربية ـ فجاء فعله من حيث الشكل من قبيل الحمية الإسلامية لإخوانه الذين يقتلون في سورية ـ رغم الموقف العدائي الذي اتخذه الكاهن الخائن كولن للثورة السورية منذ اللحظة الأولى ـ وبالتالي كانت عبارات منفذ العملية رسالًة للعالم أجمع : ( هذا هو الإسلام الذي لا يرعى عهدًا ولا ذمة ) ولنجد أن أول من استغل ذلك هو إعلام الصهاينة المترصدة لكل هفوة تسيء للإسلام والمسلمين ـ وبمتابعة ترديد منفذ الاغتيال لعباراته التي نطقها باللغة العربية ـ مثل : ( نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما بقينا أبدًا ) ( لا تنسوا حلب ـ لا تنسوا سورية ) ( لن تذوقوا طعم الأمن ما دام أشقاؤنا لا يتمتعون به ) نجد أنها لا تكتفي لوضع الحدث في سياق الانتقام من الدور الروسي في حلب ـ ولكن تتخطى ذلك لتشير إلى سرد لمصطلحات جهادية في الإشارة لمسؤولية القاعدة وجبهة النصرة وداعش عن الاغتيال ـ وفي ذات المنحى جاءت عبارات أسامة بن لادن التي أطلقها عن الولايات المتحدة الأميركية ـ ونصرة القضية الفلسطينية مما يؤكد وجود الأيدي الخارجية في عملية الاغتيال بتخطيط محكم وتدريب محترف ـ وهذا ما دفع بالجانب الروسي لتحويل ملف اغتيال السفير لمجلس الأمن لاعتقادهم بوجود عقل مدبر من خارج تركيا ـ فالعملية لم تكن ردة فعل فردية وإنما لها ارتباطات بمراكز استخبارات لدول تقف خلفها ـ فهي تشبه لحد بعيد عملية اغتيال الأرشيدوق النمساوي فرانز فردينا ند في سراييفو ـ عاصمة البوسنة والهرسك 1914 م والتي أشعلت شرارة الحرب العالمية ـ فالقوى الخارجية المدبرة لعملية اغتيال السفير تبتغي إشغال تركيا بالشأن الداخلي وتأزيم سياستها الخارجية التي كرستها للفترة الأخيرة فيما يتعلق بالشأن السوري وإن كان الاغتيال يزيد من فعالية ضغوط القيادة في تركيا على الولايات المتحدة الامريكية لتسليم الخائن الكاهن كولن ـ إلا أنه يساهم لذات اللحظة في اتساع الهوة عمقًا فيما بين تركيا وأمريكا وارتفاع مستوى الاستهداف لمرحلة جديدة في احداث الفوضى في الداخل التركي ـ فالطلقات النارية التي أطلقها المنفذ استهدفت العلاقات الروسية التركية بالدرجة الأولى ـ خاصًة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ما بذله ذات السفير ( كارل وف ) من جهود دبلوماسية لتفادي تبعات حادثة إسقاط الطائرة الروسية ـ ونجح في ذلك لحد بعيد وكما أن العملية جاءت بعد فقدان جماعة الخائن ( كولن ) لأي قوًة تمكنهم من محاولة تنفيذ انقلاب آخر كالذي أقدموا عليه لتاريخ : / 15 / 7 / مما دفع بهم لتحريك الخلايا النائمة لتنفيذ سلسلة من الاغتيالات لشخصيات دبلوماسية ـ وجاء في هذا السياق تصريح أحد أعضاء جماعة الخائن كولن ـ وهو ( عبد الله بوزك ورت ) ليوم : / 16 / 12 / الذي كتب في تغريده له على التوتير ـ قال فيها : ( لا أمان بعد اليوم للسفراء في تركيا ) فالعملية ومن جملة ما تهدفه هو إرسال رسالة لعناصر تنظيم الخائن كولن لرفع معنوياتهم ولإثبات أن التنظيم لا يزال قويًا ويستطيع الوصول لمن يريده ـ وإنه لمن الخطأ تقييم عملية الاغتيال بأنها تشير فقط للطرف التركي والروسي وبغض النظر من كونها حصلت في توقيت دقيق بقصد خلط الأوراق ـ فإن لها تداعياتها على ما يجري في الساحة السورية وذلك على الصعيدين العسكري والسياسي : بداية وإقراًر بالحق لا بد من التعامل مع الحدث بموضوعية من خلال اعتبار أن روسيا بارتكابها أبشع الجرائم للعصر الحديث بحق الشعب السوري وخرقها لكل الأعراف والقوانين ـ تتحمل تبعة ووزر عملية الاغتيال لسفيرها بل هي المسؤول المباشر عن العملية ـ فالتغافل والتجاهل للشيء لا يعني عدم وجوده ولكن في عالم السياسة لا بد من التمييز بين دائرتي ( الفعل الأخلاقي وما تقضيه المصالح العليا للدول ) ومن خلال ذلك يمكننا أن نفهم العبارات التي صدح بها منفذ العملية والتي كانت بمثابة رسالة جلية في اثبات صفة الإرهاب على كل مسلم ـ وتأكيد مزاعم الغرب بشأن إلصاق صفة الإرهاب بالمعارضة السورية المسلحة ـ التي تتلاقى لحد كبير لما يردده نظام العصابات القاتل والمحتل للوطن السوري كما أن الفاعل قد أعطى لبوتين القاتل للشعب السوري فرصًة لأن يرتدي ثوب الضحية ليثقل به ميزان الحوار لرؤيته في سورية من خلال إعادة إنتاج النظام المجرم في سورية ـ أمام سقف المطالب والتفاهمات التي تعمل عليها القيادة التركية ـ والتي يتجلى أولها في المحافظة على وحدة الأراضي السورية ـ وذلك من أهم أولويات القيادة التركية ـ وثانيها العمل على وقف إطلاق النار ـ وإعادة المفاوضات على أساس تشكيل حكومة انتقالية لا دور فيها لقائد فصيل الإرهاب الأول في سورية ـ والعمل على وأد مشروع قوات الحماية الكردية في العمل على إيجاد كنتونات انفصالية عن الخارطة السورية ـ وفي ذلك مقتل السياسة الأمريكية وما تعمل عليه دول الغرب وأقبية استخباراتها وبالتالي يمكننا القول : أن أعداء تركيا قد نالوا مبتغاهم في حادثة إسقاط الطائرة الروسية ـ لتوغل جماعة الكاهن الخائن ( كولن ) الذي وصل لكافة مفاصل ومؤسسات الدولة والعسكرية منها ـ ولكن فيما بعد فشل الانقلاب واقصاء تلك الثلة من الخونة المارقين ـ فإن القيادة التركية قطعت الطريق عليهم ـ وأُديرت حادثة اغتيال السفير بهدوء وحكمة للوقت ذاته ـ من خلال العمل على مقولة : ( أن العمل السياسي لا يدار من خلال الانفعالات وردود الأفعال )

/ 24 / ربيع الأول / 1438 / هجري / الموافق : / 23 / 12 / 2016 م /

الوسط السورية

بقلم المستشار علي العكش 

تعليقات (1)

اكتب تعليق

التخطي إلى شريط الأدوات
الصعود لأعلى