انت هنا : الرئيسية » المقالات "كتاب الوسط " » أ - المحامي علي العكش » فصل الدين عن السياسة …

فصل الدين عن السياسة …

علي العكش

بقلم المستشار ـ علي العكش – 19 – أكتوبر – 2016 

فصل الدين عن السياسة … 

من نادى بفصلَ الدين عن السياسة فقد ضلَّ وأضل فالذين ينادون بمقولة : ( لا سياسة في الدين ولا دينَ في السياسة ) ما هم إلا موتورين ثقافيًا ومثلهم ـ كمثل الحمار الذي يحمل أسفارًا ـ يقلدون ما تقوم عليه الحضارة الغربية الخبيثة التي فصلت الدينَ عن السياسة وجعلته عبدًا للمادة والشهوات وأقصته عن الخالق سبحانه وتعالى ـ ولا مقارنة للنصرانية في دول الغرب بالدين الإسلامي ـ بالمطلق فالنظامَ السياسي جزءٌ من دين الإسلام ـ ومن قال بخلاف ذلك فهو جاهلٌ غافل أو متعنت ضال ـ فالدينُ الإسلامي شاملٌ لأمور الدنيا والأخرة ـ فكما أن العبادات جزءٌ من الإسلام ـ كذلك النظام السياسي وكل ما يتعلق به هو جزءٌ من الإسلام ـ ولا يصح أن نرجع في عبادتنا للإسلام ـ ولا نرجع إليه في السياسة ـ فالإسلام شاملٌ كاملٌ ـ وهو منهاج حياة للأمة الإسلامية في كل شؤونها ـ فالسياسةُ جزءٌ من الدين ـ والدينُ حاكمٌ على السياسة ـ فالإسلامُ دينٌ ودولةٌ ـ عقيدةٌ وشريعةٌ ـ فهو منهجٌ متكاملٌ للحياة من حيث التصورـ ومن حيث التصرف ـ قال تعالى : ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) ـ وقال تعالى : ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ـ وقال تعالى : ( إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ) ـ وقال تعالى : ( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ) ـ وقال النبي صل الله عليه وسلم : ( لَتُنتقضنَّ عُرى الإسلام عُروةً عُروةً ـ فكلما انتقضت عُروةٌ تشبَّث الناسُ بالتي تليها ـ فأولهن نقضًا الحكم ـ وآخرهن الصلاة ) رواه أحمد وابن حبان والحاكم في المستدرك ـ وقد نادى العلمانيين العرب بفصل الدين عن السياسة فما كانوا إلا منخدعون ومخادعون ـ ولم يكونوا بأقل عداوًة للعقيدة الإسلامية من أسيادهم في الغرب بل كانوا أكثر عداًء ورفضًا للدين الإسلامي ـ وذلك من أجل المحافظة على مكتسباتهم وتبعًا لمصالحهم النفعية ودون سواها وما حصل لهم من ميزات اختصوها لأنفسهم من مال وجاه وسلطة وتسلط وطغيان وهيمنة الحكم بقوة والحديد والنار لطوال عقود من الزمن ـ والعلمانية من حيث المنهج هي الحياة المادية المطلقة ولا علاقة لها بالغيب سواء فكرًا او منهجًا أو عقيدًة او سلوكًا ـ وبالتالي هي تناقض الفكر الغيبي الذي يقوم على وجود الله والحياة الأخرة لما بعد الموت ـ فهي تدور في بؤرة الانتقال بالوجود : من الإله إلى الإنسان ـ وهي لم تأتي كفكر دفعة واحدة بل عبر مراحل : كان بدايتها ـ مرحلة التحديث ـ ومن ثم مرحلة الحداثة ـ ليصلوا لفكرة العلمانية الشمولية ولتطبيقها هم يفعلون العلمانية الجزئية من خلال عدم إنكارهم لوجود بعض المطلقات أو الكليات الأخلاقية لبعض أنظمة الاستبداد التي تم تفعيلها والعمل عليها منذ سقوط الخلافة الإسلامية ـ وبذلك ناقضوا ذات أنفسهم لأن فكرة الدين واللا دين لا تجتمع في غمد واحد ـ وكذلك قداسة الإسلام واحتقار تعاليمه كذلك لا تجتمع في قلب واحد ـ وإصرار البعض من أصحاب الفكر العلماني بأنهم مسلمون ليس إلا من باب التشويه والتسترـ وحالهم لا يكون كذلك في ردهات المحاكم وعند إقرار التشريعات أو اختيار حاكم البلد ـ وما حصل في مصر كان خير مثال في ذلك ـ وتعمل القوى العلمانية قاطبًة وعبر وسائل الإعلام الموجه وأدوات السلطة القمعية لشيطنة من لا يأخذ بمعتقدهم المنحرف من خلال الإقصاء وممارسة سياسة التكفير لمن خالفهم ـ بإعلانهم مبدأ : ( من ليس معنا فهو ضدنا ) ـ وفي ذلك إيضاح وبينة للفكر العلماني الإلحادي المعتقد ـ ومن خلال ذلك فقد وضع منظرو الفكر العلماني الغربي بلدان العالم الإسلامي في بادئ أمرهم كهدفٍ أصيلٍ لتفريخ أفكار العلمانية المناهضة للدين ـ ومن حيث أن العلمانية بمفهومها المادي ومدلولها الشمولي تعتمد اساسًا على نفي وجود خالق للكون ـ ونفي اي تدخل من خارج حدود المادة بالكون ـ وحياة الانسان ـ ونفي اي اسلوب ومنهج حياة غير مبني على علم الطبيعة والمادة الكونية المحيطة بالإنسان ـ وهذا يعني ان : ( لا اله والحياة مادة ) وذلك شعار عملوا عليه ـ فكانت العلمانية هي أيديولوجيا تشجع المدنية والمواطنة وترفض الدين كمرجع رئيسي للحياة السياسية في الدولة ـ وكان أولى بساسة أوروبا ومفكريها أن يتوجهوا للإسلام بدلًا من أن يوقعوا البشرية في أوحال العلمانية الخبيثة التي تتبنى الرفض الدائم لكل ما يربط الإنسان بالدين والعقيدة ـ لتوثق العلاقة ما بين الإنسان والشيطان ليأخذ به للخيبة والرذيلة وعبادة الأهواء فتسود ثقافة الإباحية والمجون وتخرج الإنسان من دائرة إنسانيته التي كرمه الله تعالى بها وما عمل عليه أولئك الزاعمين للعمل السياسي بأن جعلوا استعلاء الوطن وأبنائه على غيرهم من الأمم الأخرى لتكون الغاية تبرر الوسيلة دون الارتباط بقيم أو مبادئ أو أخلاقيات تحفظ قيمة الإنسان من الانزلاق في طريق الضلال الذي يقود للخسران المبين والمذلة والمهانة بينما نجد أن الشريعة الإسلامية جاءت شريعة شاملة متكاملة تلبي كافة احتياجات حياة البشر أفرادًا ومجتمعين بما يكفل لهم العيش الكريم عقيدة وعبادة وأخلاقًا ومعاملات وفق معايير وأسس جليًة واضحة ـ وهذه المعاني والمعايير مفقودة تمامًا في كافة النظم الوضعية التي ترفض العبودية لله لتجعل الإنسان يعبد هواه وتقوده شهواته الغريزية ـ وبالتالي فالدولة في إطار الشريعة الإسلامية تؤمن : ( بالعالمية ) وليس بالعلمانية ـ وتستمد نظامها وأحكامها من الدين والشريعة الإسلامية ـ وهي تؤمن بأن الله خلق العباد وجعلهم مستخلفين في الأرض لإعمارها وفق المبتغى الشرعي وفي ظل السيادة الإلهية لله تعالى ـ فالحاكمية لله تعالى وحده ـ لا للشعب ـ وعالمية الإسلام تجعله يرفض الحدود الإقليمية المحدودة والمحدد بأرض ما ولا يقيم الإسلام شأنًا لعنصرية القوم فلا مكان في الإسلام لميزات على أساس اللون أو الجنس أو الوطن أو الانتماء القومي ـ دون الانتماء الإسلامي الذي يشكل الفيصل في تحديد الهوية لمن يعتنق الإسلام عقيدة ودين ـ دون التغافل أو إنكار من لا يعتنق الإسلام من حيث الحقوق المترتبة لهم في ظل النظام القانوني الإسلامي وبما يحفظ النفس والعرض والمال كعهد وذمة يحرم على المسلمين نقضها إلا في حال نقضها أصحابها ذاتهم وبالتالي فإن عالمية الإسلام تتمسك بالخير والفضيلة والتعامل الصادق مع الواقع البشري من غير طغيان أو تعدي أو ظلم ـ فالسيادة لله في ظل الإسلام ـ وللبشر خلافة الأرض وإعمارها وفق المبتغى الشرعي ـ ودون أن يقيدها إلا شرع الله الثابت الذي لا يتغير ولا يتبدل والهادف لتوفير الحياة الأمنة الكريمة لأفراد المجتمع والدفاع عنهم ونشر العدل والإنصاف بين الجميع دون تمايز ـ ورد العدوان بما يتوازى معه تنفيذ أحكام الإسلام في جميع شؤون الدولة وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم أجمع وتلك الغاية والهدف الأمثل ـ وقد ساء الأمر بالنسبة للعلمانيين في الثورات العربية عندما وجدوا جموع الجماهير وهي تتشبث بمقدساتها الإسلامية ـ وأذهلهم وهم يرون الجماهير المخلصة في كافـة ديار العروبة والإسـلام وهي ترفع الشعارات التي تؤكد انتماءها للإسـلام وتعرض عما سواه من شعارات زائفة ـ ولذلك عمدت أقلام العلمانية للنيل من المسلمين ـ لينهالوا عليهم بالاتهامات الجائرة دون أدنى حق مستفيدين من الوضع التعيس المتردي الذي نعيشه في ظل الهيمنة الأمريكية المطلقة من خلال المسيحية الصليبية وما صاحبها من تسلط النفعيين وذوي الأقلام المسمومة على بعض وسائل الإعلام في مجتمعاتنا المسلمة ـ وغدا الحال بنا أن نقرأ بأن المسلمون هم : ( أصل البلاء في المعمورة j وأنهم أدخلوا التشدد إلى المجتمعات ـ وأنهم السبب في انتشار ظاهرة التكفير ) إلى غير ذلك من الاتهامات الخالية تمامًا من قرينة الإثبات والبعيدة تمامًا عن الحق والإنصاف ـ وواستطرادًا لما تقدم يمكننا القول : أن العلمانية ظاهرة مستحدثة في مجتمعاتنا وهي تهدف للإقصاء الأيديولوجي والفكري والعقائدي الذي يبرر بعد ذلك الإقصاء الوجودي ـ فكانوا كمن : يأخذ النصف الأسفل من الإنسان ويركبه مع النصف الأعلى من الحمار ـ ومثلهم مثل : الرجل الذي تلد زوجته ـ ولكنه ذهب ليستجدي رحم خنزير وليضع فيها نطفته .

الوسط السورية – المستشار علي العكش 

اكتب تعليق

التخطي إلى شريط الأدوات
الصعود لأعلى