انت هنا : الرئيسية » المقالات "كتاب الوسط " » أ - المحامي علي العكش » مصطلحات ليست من الدين في شيء : ( الحكم للشعب ) و ( المال للشعب )

مصطلحات ليست من الدين في شيء : ( الحكم للشعب ) و ( المال للشعب )

علي العكش

بقلم المستشار ـ علي العكش
مصطلحات ليست من الدين في شيء :

( الحكم للشعب ) و ( المال للشعب )
قال تعالى في محكم التنزيل : ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ )
فالحكم مقصور عليه سبحانه بحكم ألوهيته ـ والحاكمية هي من خصائص الألوهية ـ ومن ادعى الحق فيها فقد نازع الله سبحانه في أولى خصائص ألوهيته ـ سواء ادعى هذا الحق فردًا ـ أم جماعة ـ أم حزبًا ـ أم هيئة ـ أم منظمة ـ أو الناس أجمعين ـ ومن نازع الله سبحانه في خصائص ألوهيته فقد كفر بالله كفرًا بواحًا ـ وادعاء هذا الحق لا يكون بصورة واحدة التي تخرج المدعي من دائرة الدين القيم وتجعله منازعًا لله في أولى خصائص ألوهيته – سبحانه وتعالى
إذ ليس من الضروري أن يقول : ( مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي )
أو أن يقول كما قال فرعون : ( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ )
ولكن بمجرد أن ينازع الله في هذا الحق بأن ينحي شريعة الله عن الحاكمية جانبًا ويعمل استنادًا لقوانين وضعية ومن صنع المخلوق لا الخالق ويجعلها هي التي مصدر السلطات ـ وذلك كمن يقول : ( الحكم للشعب ) كحال ديمقراطيتهم الزائفة التي تصدع بها حناجر البعض والمفرغة من أي محتوى إنساني وأخلاقي
فالحق أن نقول : ( الحكم لله ) لا أن نقول : ( الحكم للشعب )
قال تعالى :
( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ الْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ )
وقال تعالى :
( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )
صدق الله العظيم
والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ـ وحكم الله هو من يصون الكرامة ويحقق العدالة والحرية السليمة والصحيحة فلا يساق بني البشر كالأنعام ـ
والأمة في النظام الإسلامي هي التي تختار الحاكم فتعطيه شرعية مزاولة الحكم بشريعة الله دون غيره ـ ولكن ليست الأمة هي مصدر الحاكمية التي تعطي القانون شرعيته ـ إنما مصدر الحاكمية هو : ( الله وحده جل في علاه )
وقد يحصل بعض الخلط بين مزاولة السلطة وبين مصدر السلطة ـ فالناس بجملتهم لا يملكون حق الحاكمية إنما يملكه الله وحده دون سواه ـ
والناس إنما هم يزاولون تطبيق ما شرعه الله بسلطانه ـ وكل ما لم يشرعه الله فلا سلطان له ولا شرعية بالمطلق ـ
وقد عصم الله الأمة الإسلامية بهذه الشريعة من أن تضل في مسارها كما حفظ الله على الأمة الإسلامية دينها وعقيدتها وعقولها ونفوسها وأعراضها وأموالها بهذه الشريعة ـ
وما الفرقة والتشتت الذي أصاب الأمة إلا بعد إقصاء الشريعة من حياتنا وفصل الدين عن حياة الدولة والمجتمع مما أضعف قوتنا وأذهبت ريحنا وهيبتنا فاستطال علينا أعداؤنا وزرعوا فينا الفرقة والبغضاء وأصبح بأسنا بيننا شديد ـ وهان أمرنا لدى الأمم الأخرى وتكالبت علينا الأعداء من كل حدب وصوب
وبالتالي فإن عبارة : ( الحكم للشعب ) هي نغمة تغرير وعبارة مخترعة ومبتذلة ـ ومخترعوها كاذبون في زعمهم ولا يطبقون ذلك على أنفسهم بالمطلق وليفرضوا سلطتهم قهرًا تحت شعارات ماكرة ومبتذلة ـ وقد روجوا لهذه الأكاذيب لتعطيل الحكم بالشريعة الإسلامية ـ وإلهاء الشعوب الإسلامية وإخداعهم بما هو أشقى وأضل سبيلا
ـ
وأما مقولة أو مصطلح : ( المال للشعب )
قال تعالى : ( وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ )
ومن هذا الآية الكريمة نستنبط القاعدة بأن المال مال الله والناس مستخلفون فيه يمكنهم أن يتملكون ويستثمرون ويتمتعون ـ وهم وكلاء ونواب في هذا المال وفي حدود ضوابط عقد الاستخلاف وعمران الأرض وذلك بمقتضى العهد الذي أخذه الإنسان على نفسه مع خالقه ـ وليتحقق ذلك جعل الله سبحانه وتعالى دينه دين الجماعة فجمعت تكاليفه بين الفردية والجماعية وهذه التكاليف تزداد ثوابًا ومردودًا في ظل مجتمع تسوده القيم الإسلامية ـ
هذا وإن مصطلح ( المال ) وردت إضافته في القران الكريم إلى ضمير ( الجمع ) في سبع وأربعين آية ـ ولم تتم إضافته إلى ضمير ( الفرد ) إلا في سبع آيات ـ وفي ذلك تنبيه وتحذير من الله سبحانه وتعالى لأن يصرف المال في المصلحة العامة للأمة وبما يضمن حقوقها ويحقق مصالحها ـ
ومن خلال ذلك يمكننا القول أن نصيب الفقراء والمحتاجين في الأموال والثروات هو (حق ) ولأبناء الأمة الإسلامية جمعاء دون تمايز ـ وليس لنا منَّة أو فضل لأننا مستخلفون في مال الله الذي خلقه وسخره للأمة جميعًا لا لمجموعات أو أفراد أو حكومات انفصالية كان آخرها للعهد الحديث ولعام ( 1971 م ) دويلة الإمارات العربية المتحدة والتي تعبث بأموال المسلمين تبذيرًا وإسرافًا ومحاربة الإسلام بل وتجعل من مال المسلمين وسيلة عون لأعداء الأمة ـ وغيرها حال الكثير ممن عملوا بما قاله قارون : ( إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي )
وقال البعض الآخر: ( أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ )
وكان من آثار ذلك أن شقيت الدول الإسلامية الفقيرة وأصبحت ذليلة لدول الكفر والشرك التي تقترض منها وتستجدى منها المعونات والهبات والقروض الربوية ـ وسُجلت تلك الدول الفقيرة في ذيل سجل الدول المتخلفة ـ بسبب سلوكيات تلك الدول تنسب للإسلام والتي تحتكر مقدرات الأمة وخيراتها دون حق أو سلطان إلا بم خوله إياها لورنس العرب من خلال ( سايكس بيكوا ) وبفعل المسطرة والقلم لقوى الظلام وأعداء الأمة ممن وصفهم القرآن الكريم : ( وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ )
وقال تعالى : ( وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ )
ومن خلال قاعدة أن مال المسلمين هو لأبناء الأمة جمعاء يمكننا الحفاظ على النفس والحياة الذي هو مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية لا يجوز التفريط فيه بحال من الأحوال ـ
فالمال لله ويجب صرفه في المصالح العامة للأمة وحفظ ثغور المسلمين والدفاع عن جميع قضاياهم في مشارق الأرض ومغاربها فوق كل شيء ـ
والقيام بالدعوة إلى الله والاستعداد بكل قوة لقمع المفتري عليها أو المعتدي على بعض المسلمين وسد حاجة ذوي الحاجات من فقراء ومحتاجين ـ ومن خلاله نعمل لتحقيق فريضة اجتماعية يتوجه التكليف فيها إلى المجتمع الذي تقوم مؤسساته بإقامتها ومنها مؤسسة الزكاة ومؤسسة الوقف ومؤسسات الصدقات والتكافل الاجتماعي ـ
هذا وقد أعطى الإسلام مكانة للإنسان تليق به ـ من حيث أنه جعل قصة الخلق كلها تدور حول شخص واحد هو الإنسان الذي جعله الله في الأرض خليفة وأناط به المسؤولية والتكليف قال تعالى :
( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ )
وقال تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ )
وقال تعالى : ( هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا )
ويتضح من خلال تلك الآيات أن الإنسان في نظر الشرع الإسلامي هو خليفة الله وعليه أن يقوم بمهامه على أساس الاستخلاف الذي فرضه عليه المستخلف
والمستخلف هو الذي يتصرف في مادة الاستخلاف على أساس ما يقرره المالك الأساسي للحياة والكون لا وفق ما يريد ويبتغي
وبما أن المال مال الله ـ والتصرف في المال أيًا كان له ضوابط فصاحب المال ليس حرًا في إنفاقه كما يشاء بل الضابط والأصل في هذا النوع من التعامل الاعتدال والتوازن وفق قاعدة العهد والاستخلاف وضمن الحدود التي يضعها الإسلام ويقرها الشرع ـ وبالتالي إن الاعتدال والتوازن في المال يسمح باستقرار النظام الاجتماعي ويحقق البعد عن الغلو والتعسير ـ وهذه الروح البناءة تفتقدها كل منظومة مستمدة من الأصول الوضعية التي يحاول البعض تصديرها إلينا واختراق جسد الأمة من خلالها ـ
فالمسلم الحق من يتنازل طائعًا مختارًا عن أمواله أو عن جزء منها وإعادتها إلى المالك الحقيقي وهو الله سبحانه وتعالى من خلال إنفاقه للمال وفق النهج الشرعي السليم ـ والله سبحانه وتعالى كرم الإنسان في غاية التكريم ورفع منزلته ومكانته على مكانة ومنزلة سائر مخلوقاته وجعله وحده مستخلفًا في الأرض ليعمرها وسخر له كل ما في السموات وما في الأرض وما بينهما
قال تعالى :
( اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ـ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )
ولقد من الله تعالى على المسلمين بنعم عظيمة منها : نعمة الرزق ونعمة الأمن قال تعالى : ( الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ )
ومن خلال ذلك يمكننا أن نحقق التكافل الاقتصادي والتنمية الاقتصادية والحياة الكريمة للناس ونحفظ مقاصد الشريعة الإسلامية ـ وهو من أهم أساليب التكافل الاجتماعي ولا يمكن فصلهما عن بعض ـ فقد وصف الله سبحانه وتعالى الأمة الإسلامية بأنها أمة واحدة وأمرها بعبادته سبحانه وتعالى ـ وتجلى ذلك فيما قاله تعالى : ( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ )
فالتعاون فيما بين المؤمنين مطلب شرعي ـ قال الله تعالى :
( وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ )
وجاءت السنة النبوية على تأكيده والعمل عليه ـ وترجم ذلك فيما قاله رسول الله صل الله عليه وسلم : ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى )
الوسط السورية 

بقلم المستشار ـ علي العكش
/ 9 / ذي الحجة / 1427 هجري / الموافق : / 11 / 9 / 2016 م /

اكتب تعليق

التخطي إلى شريط الأدوات
الصعود لأعلى