انت هنا : الرئيسية » المقالات "كتاب الوسط " » أ - المحامي علي العكش » لن ينال السوريين النصر حتى ولو ساندنهم العالم ” الأسباب والمسببات “

لن ينال السوريين النصر حتى ولو ساندنهم العالم ” الأسباب والمسببات “

علي العكشبقلم المستشار ـ علي العكش

إن هذا الكون وما فيه هنا وهناك من أسباب ومسببات ونتائج تسبقها مقدمات ولا يمكن أن يكون عفويًا أو يحدث مصادفة مع التأكيد : أن الجهل بالشيء لا يعني عدم وجوده وهذا الكون يجري بموجب أسباب ومسببات هي قانونًا عامًا وفي غاية الدّقة والإحكام والشمول بحيث لا يخرج عنه شيء – وهو يحكم سائر المخلوقات بلا استثناء فكل شيء يحدث في الوجود لا بد له من سبب سواء أكان هذا الحدث يتعلق بالجماد أو بالنبات أو بالحيوان أو بالإنسان والله سبحانه وتعالى خالق الأسباب والمسببات فمنها الأسباب المادية قوله تعالى : ( وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ ) ومنها الأسباب المعنوية قوله تعالى : ( إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً ) وهذا القانون الإلهي العام هو : (سنة الله ) والذي لا يقبل التبديل ولا التحويل وهو قائم على ربط النتائج بالمقدمات فالقتل العمد سبب للقصاص – والسرقة سبب لقطع اليد – والاستغفار مع إخلاص النية سبب للتوبة – والإيمان سبب لدخول الجنة – والكفر سبب لدخول النار فالمسببات تحدث أو تكون بالأسباب الموجبة لها – والأسباب إنما صارت أسبابًا بما أودعه الله تعالى فيها من معاني السببية وكل هذا يتم بتقدير الله ومشيئته وسنته في خلقه فالإحراق يكون بالنار لما أودع الله فيها من معاني الحرارة المستوجبة للإحراق – لا أن الإحراق يحدث عند وجود النار وبالتالي لا يمكن أن يوجد شيء في هذا الوجود ما لم تتحقق وسائله ومتطلباته المسبقة – والله وحده هو ( السبب بلا مسبب ) وهو الحق المطلق ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ ) ومن أمثلة السببية في الطبيعة التي أوجدها الله عز وجل أن نزول الماء بسب السحاب – والماء والسحاب بأمر الله والأحوال الإنسانية ترتبط بأسبابها لكافة الأمور الحياتية للأم والشعوب والحضارات وأمتنا الإسلامية تتطلع إلى نصر عاجل يزيح عنها الذل والهوان وليعيدها إلى مراتب العزة والسمو لتستعيد مكانتها الحق بين الأمم ـ ولنصر يعيد مجد حماها المستباح ودون أدنى تفكير فأن الناصر هو الله تبارك وتعالى وحده دون سواه ولكن الله تعالى قد جعل لذلك النصر أسبابًا وضوابط وأمرنا بالعمل عليها حتى نؤتى النصر فضلاً من الله ومنةً وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن من أسباب النصر : ( الإيمان بالله تعالى في الباطن و الظاهر ) قال تعالى : ( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ) فمن أسباب الهزيمة المعاصي ـ ومن أسباب النصر الطاعات ومن أسباب النصر أيضًا ـ ( الصبر ) قال تعالى : ( بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ) ومن أسباب النصر الكثيرة نذكر منها أيضًا التوبة الصادقة عن الذنوب والمعاصي – فالنصر تؤخره الذنوب ـ ومن شروط التوبة رد المظالم والحقوق لأهلها ـ ( لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ) إذا النصر الذي نتطلع إليه ونبتهل لله أن يمن علينا به له أسباب لا بد من تحققها ليتفضل الله تعالى علينا بنصره الذي وعد منًة من الله وتفضلًا وبدون أن نأخذ بالأسباب لن ننال النصر ولو ساندنا العالم أجمع قال الله تعالى : ( إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) وقال تعالى : ( وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) ولنتأمل ما قاله الله تعالى مخاطبًا مريم : ( وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ) في هذه الآية منتهى الحكمة الربانية للأخذ بالأسباب ـ فالمرأة غير قادرة على أن تحرك جذع النخلة وهي سليمة ومعافاة فكيف الحال وهي في حالة النفاس ـ وإن لعشرة رجال أشداء عاجزين عن فعل ذلك ـ ولكن ما ورد بالآية الكريمة مؤشر للأخذ بالسبب وبعد الأخذ بالأسباب يأتي الإعداد المادي : وبخصوص ذلك قال تعالى : ( وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ ) وكلمة : ( مَّا اسْتَطَعْتُم ) تفيد وبشكل لا لبس فيه ولا غموض أن النصر لا يأتي من التكافؤ المادي من حيث العتاد مع الأعداء ـ وإنما النصر يأتي بمدى أخذنا بالأسباب من حيث أننا أبناء أمة أعزنا الله بالإسلام وإن ابتغينا العزة بغير الإسلام أذلنا الله قال تعالى : ( كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) وهذا ما نحن عنه غافلون – وإن علمنا به لسنا عليه بعاملين نستجدي دول الغرب والشرق تملقًا نلهث خلف مؤتمرات لن تغني ولن تسمن – نأتي بالذئب ليحرس الغنم ـ ونحكم الجاني فينا ـ ونتهم الصديق الذي كان لنا بعد الله خير نصار ومساند وداعم ـ ونغفل عما نحن عليه من ذنب ومعصية نقترفها للتو والساعة وللعاكفين تملقًا على موائد الغرب من المرجئة وأنصاف المثقفين نذكرهم بقوله تعالى : ( وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا ) وقال الله تعالى : ( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ ) وقال الله تعالى : ( مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ) قال الله تعالى : ( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم ) صدق الله العظيم ومن خلال ذلك يمكننا تقييم الانتعاش الوهمي للتفاوض المتعثر مع النظام المجرم والذي جاء خلافًا لواقع الحال للوطن المنهوب والشعب السوري المنهك ـ وذلك بقصد خلق مناخات لعملية تفاوضية عبر مباحثات خبيثة تخدم وجهة النظر الروسية والأمريكية والتي ترمي لترميم نظام العصابات من جديد عبر تكريس قاعدة التعامل مع الملف السوري وفق نتائج الصراع لا ( أسبابه ) وبالتالي فإن فقدان الأهلية والشرعية لنظام العصابات المحتل لسورية تنسف المناخ السليم أي عملية تفاوضية ـ وتجعل من النظام ومواليه وزبانيته مجرمين حرب تستلزم معه المحاكمة العادلة ـ هذا إن توفر حد أدنى من السوية الأخلاقية فكانت الثورة وما زالت وفي عامها السادس لا تملك القيادة السياسية والعسكرية الحقيقية التي تمثل إرادة وتطلعات الشعب السوري المنهك والوطن المنهوب ـ وبالتالي نخلص للقول : إن بوابة الخلاص والسبيل الأهم لتحرير الإنسان والنصر على قوى الظلام لدول الغرب والاستبداد العالمي هو الإسلام فإنه بمجمله تشريع من صنع الخالق سبحانه وتعالى ـ وشتان ما بين الخالق وما يصنع المخلوق ولكننا وما زلنا نستهين بالذنوب وتصغر في أعيننا المعاصي وما تجدنا إلا متهكمين ومتهمين ونحن غارقين متغافلين عن قصد أو غير قصد – في المساجد تبتل لحانا تضرعًا في الدعاء ـ وخارجه نحن الجريمة في تفوقها نصيغ الدين وفق أمزجتنا لنرتديه ستار يغطي قبح ذاتنا الغارقة في الرذيلة كل واحد منا يسكن داخله ديكتاتور صغير متخفي وعندما تتاح له الفرصة يخرج منتفضا كما المارد مثل الشمس وضوء النهار نعي وندرك تقصيرنا بحق عقيدتنا ومنهج ديننا الذي هو ملاذنا ونداري تجاهلنا لأسباب النصر التي بدونها لا ولن ننتصر ولو بعد حين تناسينا تاريخنا التليد – وزوجنا القاضي ببنت الجرم وارتمينا في حضن الجلاد – وتنكرنا لهويتنا وغفلنا بأعمالنا : ( أننا خير أمة أخرجت للناس ) فضعنا وأضعنا وضاعت أمانينا قال تعالى : ( وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) صدق الله العظيم

الوسط السورية  

بقلم المستشار ـ علي العكش

/ 7 / ذي الحجة / 1437 هجري / الموافق : / 9 / 9 / 2016 م /

اكتب تعليق

التخطي إلى شريط الأدوات
الصعود لأعلى