انت هنا : الرئيسية » عاجل" سوريا اليوم" » حلب ركام من الحضارة وتخوم للموت

حلب ركام من الحضارة وتخوم للموت

FB_IMG_1471789916781بقلم حسن اليونس

للأماكن سحرها الخاص الذي يعطيها هويتها وشخصيتها عبر الزمن، كما هي الوجوه , وكذا هي حلب يصافحك التاريخ في أزقتها وحاراتها أينما حللت بها , يكسوه الغار والوقار, فتخفف الوطء اجلالا وتعظيما لأيقونة من ايقونات الحضارة الإنسانية وينتابك الخشوع أمام هذه الخصوصية التي شكلت ملامح المدينة عبر الزمن .
هذه المدينة الضاربة في أعماق القدم مر بها مختلف القوى الغازية في التاريخ بدءاً من الحثيين القادمين من البلقان عبر البوسفور الى المصريين في عهد تحوتمس الثالث فالأشوريون فالآخنيين الذين قضوا على الإمبراطورية الحثية فالميديين ثم البابليون ثم قورش الفارسي فالإغريق بقيادة الاسكندر الذي استولى عليها عام 333 ق م حيث استأذنه استاذه أرسطو أن يقيم بها بسبب خصوبة تربتها وطيب هوائها وجاء الرومان بقيادة بومبيه وأنهى الحكم السلوقي الذي خلف الاسكندر ثم أخذ البيزنطيون والفرس يتنازعون السيطرة عليها إلى أن حررها العرب المسلمون عام 637 م بقيادة أبو عبيدة بن الجراح .
وليس هناك أجمل من مشاهدة منظر مدينة حلب من فوق قمة جبل الجوشن , حيث تتراءى أمامك المدينة قديمها وحديثها وتنتصب القلعة في وسط المدينة مثل ياقوتة جميلة على جيد حسناء تنازع مآذن المدينة الكثيرة في شموخ وكبرياء عنان السماء, فيتجسد التاريخ أمامك حيا ويتراءى لك سيف الدولة وهو على صهوة جواده المطهم , قادماً من غزو الروم منتصراً , مطلاً على أسوار المدينة , ينحدر إلى دير ماروثا يأخذ قسطاً من الراحة يتفقد الرهبان , الذين يقدمون له التمر واللبن , ثم يتابع طريقه إلى قصر الحلبة على نهر قويق .
ولأن المستبد والظالم هو عدو للحياة وعدو لكل ما هو جميل وأصيل فيها , فقد نالت حلب – المدينة – القسط الأكبر من الدمار والخراب , رغم أنها من آخر المدن التي ثارت على الطاغية وأعوانه , حتى أن أحياءً بأكملها سويت بالأرض وأصبحت أثر بعد عين , بفعل القصف العنيف من قبل النظام وحليفه الروسي , ولم تشفع كل هذه الأصالة والتاريخ المجيد عن ثني المجرم القابع في جحره بدمشق والمتشبث بكرسي أبيه مستعينا بقوى الشر والظلام من كل أنحاء العالم على هدم حضارة عمرها آلاف السنيين , حتى أن القلعة حولها النظام الى ثكنة عسكرية كبيرة تنفث الحمم وتوزع الموت في كل مكان وخاصة الأحياء القديمة المجاورة للقلعة التي أصبحت مجرد أطلال تعصف بها الريح بينما تشرد أهلها في اصقاع الأرض شرقا وغربا يبحثون عن ملاذ آمن بعيدا عن قصف النظام واجرامه الذي فاق كل حد .
وعلى الرغم من أن اليونسكو أعلنت حلب القديمة عام 1986 جزء من التراث العالمي إلا أننا لم نسمع سوى أصوات خجولة من هذه المنظمة العالمية , تعبر على استحياء عن القلق على مصير المدينة وتدعو قوات النظام الى احترام الخصوصية التاريخية والإنسانية للمدينة وذلك أسوة بسيدها صاحب القلق الشهير بان كي مون , كما أن منظمة العمل الإسلامي أعلنت حلب عام 2006 عاصمة للثقافة الإسلامية , لما تحويه من تراث إسلامي متنوع وعريق يمثل معظم الحقب الإسلامية التي مرت على المنطقة , ولكننا لم نسمع أي صوت عربي أو إسلامي ينادي بوقف مذبحة التاريخ والحضارة في حلب , حيث دمر النظام الكثير من المساجد التاريخية القديمة والحديثة , ومنها ما يعود للمراحل الأولى لدخول المسلمين الى المدينة , مثل جامع الشعيبية الموجود في الطرف الغربي من المدينة القديمة من جهة باب انطاكية والذي يعتبر أول جامع بني في حلب ,ويعود تاريخ بنائه للعهد العمري , والجامع الأموي الكبير الذي بناه الوليد بن عبد الملك عام 715 م وأكمله أخوه سليمان , والذي يمثل مع القلعة أهم الرموز التاريخية للمدينة , وجامع العادلية الذي يعتبر أهم المساجد الموجودة في حلب والتي تعود للعهد العثماني , حتى كنيسة الشيباني التي تقع في قلب المدينة القديمة في حي الجلوم , والتي تم ترميمها بالتعاون مع وزارة التعاون الاقتصادي والتنمية في المانيا عام 2001 والتي استخدمت كمركز لاستضافة الفعاليات الثقافية والاجتماعية في المدينة القديمة , لم تسلم من بطش النظام , فقد حولها الى ثكنة عسكرية وعندما اضطر لتركها عمل على تدميرها .
إن المتابع ليوميات الحرب في حلب، يلاحظ أن عمليات القصف والتدمير العشوائية التي يقوم بها النظام وحلفاؤه الروس، هي عمليات ممنهجة ,لا تستهدف المعارضة المسلحة بحد ذاتها أو الإرهابيين – حسب زعمهم – بقدر ما تستهدف قتل أسباب الحياة في هذه المناطق لإجبار السكان على الرحيل أو في الحد الأدنى إيجاد شرخ بين الثوار المرابطين في هذه المناطق والأهالي ,الذين هم في الغالب من أقرباء وأصدقاء هؤلاء الثوار أو من عائلاتهم , ظناً منهم أنهم بهذه الطريقة يستطيعون كسر إرادة القتال لدى هؤلاء الابطال , فهي لا تستثني أحدا ولا تفرق بين المنازل والمدارس والمستشفيات ما دامت تقع خارج سيطرتها , وكأنها تجتر مقولة الأسد الأب عندما دمر حماة فوق ساكنيها عام 1982 ( لا مكان لمعارض في سوريا إلا القبر أو الخارج) او كأنها تنفذ كلام رأس النظام الحالي بشار الاسد بحذافيره عندما تحدث عن الحاضنة الشعبية للثورة وضرورة القضاء عليها في أسلوب ساذج ورخيص لتوصيف حالة الثورة في سوريا يعبر عن عقله المريض وانفصاله عن الواقع, خاصة بعد أن رهن البلد وما فيها للروس والإيرانيين ,وكأن الأب والابن ينهلان من مشكاة واحدة, قوامها قتل الناس وتدمير المدن ,حتى أصبحت حلب العراقة والأصالة عبارة عن ركام من الحضارة وتخوم للموت. 

الوسط السورية

حسن اليونس

 

اكتب تعليق

التخطي إلى شريط الأدوات
الصعود لأعلى