انت هنا : الرئيسية » المقالات "كتاب الوسط " » أ - المحامي علي العكش » العلم والمرحلة الراهنة “بقلم المستشار والباحث الإسلامي ” علي العكش “

العلم والمرحلة الراهنة “بقلم المستشار والباحث الإسلامي ” علي العكش “

 

علي العكشالعلم نواة والنواة جذر والجذور تنساب في الأرض لتشكل جذعًا والجذع يرتفع في السماء ويورق فيصبح ظلًا وارفًا يستظل به الجميع ويأمن به عواصف الدهر العاتية ـ والعلم شعلة خالجة لا تنطفئ وجذوة تشعلها النخبة المتعلمة لتضيء للآخرين الطريق الذي يرقى بهم لنرى العالم من حولنا بعيون مستبصره بما يشكل منارة تستهدي بها الأجيال المتعاقبة وصولًا لبناء الفرد والمجتمع ولنصنع الحياة الراقية وتتغير مظاهر الأشياء نحو الأفضل والأجمل ويزدان الإنسان ليكون أهلا لخلافة الله علي الأرض
لأن الأمية داء ولكل داء دواء ـ والدواء هو الأخذ بالعلم الحق والمعرفة المستنيرة
قال الله تعالى : ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ )
وقال الله تعالى : ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ )
وقول تعالى : ( وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا )
عن أبي الدرداء رضي الله عنه ـ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة ، وإن الملائكة لتضعُ أجنحتها لطالب العلم ِ رضِّي بما يصنعُ ـ وإن العالِمَ ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض ـ حتى الحيتان في الماء ـ وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ـ وإن العلماء ورثة الأنبياء ـ وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراَ ولا درهماَ ـ وإنَّما ورَّثوا العلم ـ فمن أخذه أخذ بحظ وافر )
رواه أبو داود والترمذي
هذا وقد أرسى الإسلام دعائم بناء الأمة العلمية في عالم الفكر والعلم والرؤية الكونية لدور الإنسان في عمارة الأرض والاستخلاف فيها وحمل الأمانة ـ وجعل الإسلام القاسم المشترك هو العقيدة لا اللون والعرق والنسب ـ وامتد وتعمق مفهوم الأمة حتى شمل كافة الشعوب والأمم التي انتمت للإسلام بغض النظر عن أصولها القومية وبيئاتها الجغرافية ـ وهذا الفكر الإنساني العالمي لمفهوم الأمة أتاح بيئة خصبة للتمازج الفكري والعلمي وإثراء الحضارة الإسلامية بالمزيد من الخصب والعطاء والإبداع

ومن خلال ما تقدم يمكننا تناول التعليم للمرحلة الراهنة من خلال مظاهر الفساد الأكاديميّ للمرحلة وذلك من الجوانب التالية :
أولًا : الجانب الخارجي للمأساة :
ويتناول هذا الجانب أصحاب الشهادات المزورة والتي لا تساوي الحبر الذي كتبت به والتي لا أصل لها والتي يستحصل عليها الشخص دون حق بها وحجتهم في الحصول عليها لتحسين واجهتهم الاجتماعيّة أو للعمل في بلاد الاغتراب فالمبتغى المادي يطغوا على حساب الأخلاق والدين لدى البعض ممن يمتهن ما ليس له ليعبث في الجانب الأهم من الإنسانية وهو بناء الطفل الطالب السوري ـ ويروج لتلك الشهادات مواقع وصفحات تواصل اجتماعي وقد خلعت ثوب الحياء لتعلن عن مكونها المتعفن بالمزاودة لأسعار الشهادات المزورة والتي تبلغ سعر ( 200 دولار )
ومن يستحصل على مثل تلك الشهادة هو عونً لنظام القتل والإجرام في تدمير الإنسان حيث لا فرق بمن يقتل ويقصف الأطفال وبين من يعمد لتشويه الفكر وتكريس الجهل بين أبناء المجتمع مستغلًا تعاطف الدول المستضيفة للسوريين والتي تعمل وتبذل الكثير لأجل حصول الطفل السوري على التعليم ومتابعة دراسته ليكون إنسان فاعل وبناء في مستقبل وطنه ـ ومن خلال هذا الجانب يتوضح أن الكثيرين جدًا يسكن داخلهم دكتاتور صغير يقبع في زوايا ذاتهم المريضة ولينتفض للبريق الأول الذي قد يتاح له ونجد ذلك عندما يعمل أحدهم في المجال التعليمي لدول الجوار حيث يتواجد اللاجئين السوريين وتلقاه في المدرسة يشغل المدير وابنته مدرسة علوم وابنه مدرس رياضيات وزوجته مدرسة إنكليزي وإن بقي شواغر في المدرسة فتكون لأقاربه ومعارفه ومن يواليه خسًة ورذيلة
وفي لقاء مع أحد العاملين في الإشراف على مدرسة للطلاب السوريين
سألته : في المدرسة لديكم كم شهادة صحيحة وكم منها مزور وفق معلوماتك وخبرتك ؟؟؟
فكان جوابه : بأن المدرسة التي يعمل بها تحتوي على ( 45 ) مدرس ومعلم والشهادات الصحيحة منهم لا تزيد على ( 20 ) شهادة والباقي مزورة ولا صحة لها
وبلغت الوقاحة بالبعض منهم حد يصعب معه تفعيل الحد الأدنى من المنطقية حيث تجد بالحساب الزمني لعمر من يحمل الشهادة المزورة فأنه قد خرج من سورية منذ ثلاث سنوات وعمره الحالي لا يتجاوز ( 21 ) سنة وتجد بحوزته شهادة جامعية ـ والسؤال : كيف لمثل هذا وقد غادر سورية من ثلاث سنوات وعمره الحالي ( 21 ) سنة للوقت الحاليـ وبحوزته شهادة الجامعية وذات اختصاص ؟؟
ومن جهة أخرى فإن الفساد الإداريّ و العلميّ والغشّ في الامتحانات والذي يتمثّل بالتحايل على شروط القبول الجامعيّ من خلال الغش والتزويرـ والحصول على شهادات غير صحيحة مما ينعكس على تكافؤ الفرص بين الطلّاب ـ وليأخذ الجاهل فرصة غيره في التعليم وليشغل ما لا يستحق مستغلًا الجانب الأخلاقي لدول الجوار في التعاطف مع السوريين ومساعدتهم
ولذات اللحظة نجد البعض ممن عمل ولسنوات طوال في أروقة النظام وأزقته المتعفنة والمتكلسة بالفساد والجرائم الأخلاقية ووجد في المرحلة الراهنة فرصته لمتابعة مسيرته في الفساد والإفساد للمعايير التي تربى عليها في كنف النظام المجرم ـ وزاده طوحًا الجانب المادي الذي استحصل عليه من الرشوة والسرقة لمقدرات الشعب لأيام مضت حين كنتم وكنا ـ وليأتي لدول اللجوء مدعيًا زورًا وكذبًا انشقاقه عن النظام وتلقاه وقد التف مع بعض زبانيته لذات الفصيل ومن باب المتاجرة بالدم السوري ومستقبل أبناءه يعمل للتسويق لجامعات وهمية لا مصداقية لها ولا اعتراف ولا مقرّات ولا هيئة تدريس وتهدف بالدرجة الأولى للكسب الماديّ الربحي والغير شرعي ـ ويساعدهم في ذلك بعض مزدوجي الشخصية من المنتفعين للترويج لتلك الجامعات التي ليس لها أدنى شرعية أو اعتراف محلي أم إقليمي أم دولي
ثانيًا : الجانب الداخلي للمأساة :
وفي ظلّ السلطة المستبدة والقاتلة والمنشغلة بقصف المدنيّين وإفناء الشعب ومع اهتمام الأجهزة الأمنيّة بالاعتقالات و التنكيل والتعذيب وجد العديد من المنتفعين في النظام السوريّ الفرصة مواتية لمزيد من السرقة والمتاجرة بالدم وجمع الأموال حتّى غرست براثن الفساد في الجسد التعليميّ السوريّ ـ وعليه ظهر في الآونة الأخيرة سوق للشهادات الجامعيّة المزوّرة في العاصمة دمشق وغيرها مع تغاطي السلطة المجرمة عن عمد لما يحصل لأنها فقدت المحاسبة لمن استقوى عليها في التشبيح والقتل وكانوا أداة لها للتنكيل والإجرام مما أفقدها هيبة المسألة ومن جهة أخرى فإن فساد السلطة يتبعه فساد العاملين في أقبيتها ـ فالبعد الأخلاقي الذي تفتقده السلطة جعل منها عصابة تحكم بقانون الغابة
وقد امتلأت صفحات التواصل الاجتماعي التي ترويج لهذه التجارة النفعية : فالشهادة الجامعيّة السورية في جامعة تشرين مثلًا تُباع بـمبلغ 600 ألف ليرةٍ سوريّة ـ وشهادات الطبّ والهندسة المعلوماتيّة يصل سعرها إلى 800 ألف ليرة سوريّة ـ والغريب أن هذه الشهادات تحمل كافة الأختام والتواقيع النظاميّة كما أنّها ممّهورة بتصديق وزارة الخارجيّة ـ وبمعدلات عالية حيث يصل البعض منها لمعدل 80% ومنها أكثر
والجهات المتاحة تؤكّد لزبائنها أن هذه الشهادات غير صالحة للاستخدام داخل سوريّة وإنّما هي مخصّصة للاستخدام خارج سوريّة فهي تفيد السوريّين في بلاد الاغتراب فقط حيث لا يوجد لها أساس في سجلّات الجامعة ـ فهي لا تساوي قيمة الورق والحبر في داخل سوريّة ـ وقيمتها في الخارج حيث يستحيل التأكّد من صحّتها للظروف الراهنة خاصة وأنّها ممّهورة بأختام وزارة الخارجيّة لنظام الفساد والإفساد ومرفقة بكشوف العلامات التفصيليّة مع نسخة مصدّقة و مترجمة لعدة لغات
والبعض ممن حصلوا على مثل تلك الشهادات يعمدوا للحصول على قبول جامعي في دولة ما لإتمام الدراسات العليا وهم لا يحملوا في الحقيقة الشهادة الثانوية العامة ـ وبحصولهم على تلك الشهادات بغية الحصول على اللجوء حيث الأفضليّة لحملة المؤهّل الجامعيّ ـ وغالبية من حصل على تلك الشهادات هم أبناء المسؤولين وأقاربهم ومن يواليهم في ظل الإفلات الإداريّ وانعدام المعيار الأخلاقيّ لمسؤولي النظام والعاملين في كنفه والذين يعملون تحت غطاء من قادة الشبحية ورؤساء الأجهزة الأمنيّة القمعية
وإن هذه الجرائم التي ترتكب بشقيها ( الداخلي والخارجي ) تُنذر بكارثة عظمى تعود بالويل على الأجيال القادمة تتمثل في سيادة أناس جهلة يصعب تحيدهم خاصة إذا ما نظرنا للجانب الأخر حيث أن معظم الدول المانحة لشهادات الدراسات العليا تتناول أبحاث وضيعة وليست ذات قيمة علمية مثال : هناك بعض الدول تمنح الدكتوراه في العدس للمهندسين الزراعيين ومنها تمنح الدكتوراه في البقوليات ـ ونحن ما زلنا نهلل ونفاخر بالدكتوراه من بلد أجنبي وكل ما يبتغيه الفرد منا هو أن يقال عنه دكتور وأستاذ جامعي وإن نظرت في الشهادة الممنوحة له تجدها عبارة عن بحث ومجرد أطروحة في البقوليات ـ أو النحل أو العدس
وهذه الأفعال التي تحصل على الخارطة السورية للوطن تجعل من الشهادة السوريّة مثار شكّ وريبة تكتنفها شبهة التزوير التي يُنذر بصدور قرارات دوليّة تحجب الثقة بالشهادة السورية ـ خاصًة إذا ما نظرنا للتصنيف الذي وصلت له جامعة دمشق ما بين عام ( 2012م حيث كان ترتيبها 3400 عالميًا ـ وغدت لعام 2014 م لترتيب 5070 عالميًا )
ولأن الثورات تنموية بامتياز وتهدف بالدرجة الأولى لبناء الإنسان الذي يرفض المفاهيم التي تحط من قيمته الإنسانية أولًا ووطنه ثانيًا وبما يعود بالويل والثبور في القادم من الأيام
لذلك يستلزم منا تصنيف هذا الفعل وإعطاءه الوصف الجرمي الذي يستحق كونه يشكل جرمًا جنائي الوصف ( التزوير واستعمال المزور )
والعمل على ذلك عبر التدوين والتنسيق والإحصاء لمثل هؤلاء الطغمة والتواصل مع الحكومات والمؤسسات لدول الاغتراب وصولُا لملاحقتهم الجرمية والنيل منهم للحد من تلك الكارثة التي تقوض أساس المجتمع السوري من حيث أن التعليم هو الركيزة الأساسية لأي تطور ونماء اجتماعي واقتصادي وهو الجسر الوحيد ووسيلة العبور للمستقبل الزاهر
وهو الضروري والحتمي لبلوغ شتي مرامي الحياة الحديثة ـ فالتعليم السليم هو المخزون و الرأسمال البشري والفكري للوطن ـ وبالتعليم نرفع من قدرة الإنسان على زيادة الانتاج و نحقق معدلات عالية للنمو الاقتصادي الذي يرقى بالمجتمع للمكانة الأفضل بين الأمم والمجتمعات
وبالعلم نبني الإنسان وبالإنسان نبني الوطن ـ والإصلاح لا يقتصر فقط على البعد السياسي وفي ذلك الخطأ الجسيم والقصور الذي له تداعياته على منظومة الإصلاح الشامل بكل أبعاده ـ فالإصلاح الشامل هو الذي يبدأ من عالم الفكر و العقل و هذا كله يرتبط بإصلاح منظومة التعليم و العلم التي تغني العقل وتأخذ بالمجتمع حيث يستحق مكانة وتقدمًا ـ من حيث اعتباره السبيل الأمثل للتغيير ومن خلاله نهتدي لما فيه الرشد والصواب
ـ
ولمثل ذلك فاليعمل العاملون

الوسط السورية

بقلم المستشار والباحث الإسلامي ” علي العكش “

 

 

اكتب تعليق

التخطي إلى شريط الأدوات
الصعود لأعلى