انت هنا : الرئيسية » المقالات "كتاب الوسط " » الثورة اليتيمة ” للكاتب “ميسرة بكور …

الثورة اليتيمة ” للكاتب “ميسرة بكور …

أربع سنوات انصرمت من عمر سورية الوطن والإنسان. أربع سنوات، أصبح عمر ثورة السوريين، كيف؟ أين؟ ومتى بدأت؟ أمرٌ غير مهم، والبحث فيه هدر للوقت، المهم أن الثورة اليتيمة.. بدأت.
سنوات مضت ولا زلنا نتذكر آلام الوطن، أحد عشر مليون بين نازح ولاجئ، ونصف مليون توزعوا ما بين مقتول ومختفي قسراً في غياهب السجون، مليون معاق، وما زالت مجازر الحولة وغوطة دمشق وداريا والقصير ومخيم اليرموك والتريمسة وكرم الزيتون.. الخ، تضيئ لنا درب حريتنا المخضب بدماء وأشلاء أطفالنا.

أربع سنوات نتذكر كل المدن والقرى والبلدات المدمرة بالبراميل المتفجرة. أربع سنوات تعاني سورية آلام المخاض بسبب صمت المجتمع الدولي على مأساتها وتجاهله حصارها وموتها بصمت، واختزاله حكايات ومأساة سورية الطويلة المفجعة ضد الجلاد من أجل الحرية إلى قصة إرهاب!

في الخامس عشر من آذار 2011 وبعد مرور أكثر من أربعين عاماً على حكم عائلة الأسد، قرر الشعب السوري أن يثور وينتزع حريته وكرامته المسلوبة على مدى تلك العقود، عقود شهدت خلالها سورية أشكال الفساد والاستبداد والقمع .

أصدر الشعب السوري حكمه القاطع بأن الشعب يريد إسقاط النظام، واتخذ قراره بوضع نهاية لحكم عائلة الأسد وطرد منظومته الفساد المستبدة برموزه كافة.

لم تكن ثورة الشباب السوري مشروعاً طائفياً لا في الفكر ولا الأهداف، أو إلغاء الآخر عبر صهر بقية مكونات المجتمع السوري في بوتقه واحدة. بل كان مشروع الثورة يؤمن بأن سورية مكونة من أعراق أخرى لها ثقافتها ويجب احترامها في إطار الدولة السورية الحديثة الحاضنة للجميع.

كان القرار بالثورة نتيجة طبيعية وحتمية، بسبب ما آلت إليه أمور البلاد في المجالات كافه، وتوريث الحكم كأول جمهورية وراثية في العالم.

ورغم أن القرار جاء متأخراً أربعين سنة، لكنه على الأقل من حيث الظروف الموضوعية التي كانت تعيشها سورية من تضييق ومتابعة أمنية لكل تفاصيل الحياة العامة والخاصة، جاء في أوج ربيع العرب، ليكتمل المسار في دمشق .

لكن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن الشعب السوري، وتحول الربيع في صورته الدمشقية إلى خريف دامي وحصاده مر مفجع

أربعين عام عاشتها سورية الوطن والانسان، لم يعرف فيها السوريون نظاماً آخراً أو مرجعية غير مرجعية وسيادة الحاكم بأمره طوال هذه السنوات.

قرار الشعب السوري بالثورة على هذه المنظومة كان المقدمة لصعود الشعب إلى سدة الحكم والتخلص من نظام الرجل الواحد، والخلاص من جمهورية العبيد، ورغبة بأن تكون سورية نموذج للحكم الرشيد في المنظومة الاجتماعية والسياسية، حتى يصبح مثلاً يحتذى به في منطقتنا العربية وفي الإقليم.

طوال الأربعين عاماً الماضية لحكم عائلة الاسد، لم يتوقف الجدل حول شرعية هذا النظام، الذي لم يكن يوماً معبراً عن طموح الشعب السوري وحضارته وتاريخه، ولا يبدو أن هذا الجدل في طريقه لأن يحسم قريباً.

التصور الذي ساد في عقول النخب السياسية والمعارضة التقليدية خلال فترة الثمانينات وما أعقبها حتى الربيع العربي كان يقول بأن هذا النظام دموي، لا يمكن الثورة عليه أو إقصاؤه بالطرق السلمية، وهو مرضي عنه من قبل إسرائيل التي عمل حافظ الأسد على حماية حدودها مع سورية طيلة عقود حكمه، وسار بشار الأسد على نهج أبيه “الرد في الزمان والمكان المناسب”. مما أمن له الغطاء الخارجي، ويجب مهادنته وتحصيل أكبر قدر من المكاسب دون الحاجة للقيام بثورة ضده تكون حصيلتها مفجعة على غرار ماحدث لمدينة حماه وحي المشارقة في حلب وجسر الشغور خلال عقد الثمانينات من القرن الماضي .

ليس ثمة شك أن الشباب الذين خرجوا في 15 آذار من عام 2011 لم تعد تعنيهم أدبيات المعارضة التقليدية ومعارضة الأحزاب الشكلية أو عجائز المعارضة .

لأن معظمهم أولئك الشباب لم يعيشوا فترة الثمانينات ولم يشعروا بمرارتها ودمويتها. معظمهم لم يكن قد ولد حينها وكل ما يعرفه عن فترة الرعب تلك ما سمعه من والديه أو جدته.

هم جيل ربي وترعرع في ظل الفضاءات المفتوحة والعولمة. ولم تعد تعنيهم حكايات العجائز عن وحشية النظام، ودمويته، ولا يكترثون أو يلقون لها بال. أيضاً عايشوا المفاهيم والثقافة الأوروبية الحديثة التي وصلتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو المحطات الفضائية التي فتحت ملفات كانت مغلقة، والمد الثوري العربي في كل من تونس، ليبيا، مصر واليمن.

تلك الخلفية والتربية، بعيداً عن دموية الثمانينيات، ليست السبب الوحيد الذي فجر الثورة السورية في آذار من عام 2011 بل التململ والإقصاء والتهميش، وحكم البلد بقبضة أمنية حديدية .

إن جملة العوامل المتكاملة هذه كانت السبب وراء قيام الشباب السوري بتحطيم حاجز الصمت والدافع وراء ثورتهم .

ومما لاشك فيه بأن الشباب الذين انخرطوا في الحراك السلمي في بدايته، الذين قادوا حركة الثورة بين 15 آذار 2011 حتى الأشهر الأولى لعام 2012 تخرجوا من الجامعات والمعاهد، ومعظمهم يحمل خلفية ثقافية أو جامعية .

عندما بدأ نظام الأسد عسكرة الثورة، تولى قيادة الحراك العسكري ضباط عسكريين تخرجوا من المدارس العسكرية والأكاديميات الحديثة، وتشربوا العلوم العسكرية أثناء خدمتهم في جيش نظام الأسد.‎
تصدى المقدم حسين هرموش بعد أن أعلن انشقاقه عن جيش الأسد لتنظيم وقيادة الدفاع عن المظاهرات السلمية، وتحمل مع من انضم إلى حركتهم “الضباط الأحرار” لقوات النظام حتى مرحلة تشكيل الجيش السوري الحر الذي أصبح الممثل الرئيس للحراك العسكري ضد قوات وميليشيات الأسد. قبل أن يسمع أحد بتنظيمات باتت تسمى اليوم متطرفة “تنظيم الدولة، والنصرة”.

أعلن الأسد حرب مفتوحة على الشعب السوري، وبدا واضحاً أن النظام انتقل من مرحلة ملاحقة المتظاهرين إلى تدمير مناطقهم ومدنهم متبعاً سياسة الأرض المحروقة، مع استخدام الحصار والتجويع سلاحاً أساسياً في الحرب ضد المدن والمناطق الحاضنة للحراك السلمي أو العسكري .

فما كان من الشعب السوري إلا أن احتضن أعضاء وقادة الجيش الحر، وقدموا لهم كل مقومات الصمود بمدلولاته المادية واللوجستية.

لكن المشكلة التي واجهت الجيش الحر كانت أن المجتمع الدولي رفض تسليح الجيش السوري الحر، بل تجاهل بشكل فج كل المجازر التي ارتكبها الأسد وجيشه الذي تحول لميليشيات قتل مستعيناً بالقتلة المأجورين من ميليشيات شيعة إيران.

ولم يقدم شيئ ملموس لجيش سورية الحر ليحسم الصراع لصالح الشعب السوري، واكتفى بإدارة الصراع.

اليوم، وبعد مرور أربعة أعوام على حرب بشار الأسد ضد الشعب السوري، لم يعد ثمة شك في الحصاد المر والتكاليف الباهظة التي دفعها الشعب السوري ثمن لحريته من قتل وتهجير وتدمير مدن بكاملها .

وأصبح واضحاً أن المجتمع الدولي تخلى عن الشعب السوري وتوارى خلف محاربة الإرهاب كأولوية ليبرر تخاذله في دعم حرية الشعب السوري، الأمر الذي فضح أدعياء شرعة حقوق الإنسان.
وما تصريحات الوزير كيري عنا ببعيدة حول التفاوض وربما مصافحة اليد التي قتلت وشردت ودمرت سورية الوطن والإنسان.

على أن التحول في الموقف الأمريكي لم يكن وليد اليوم، ولكنه بدأ منذ سلم بشار الأسد أسلحته الكيمياوية.

دخلت الثورة السورية عامها الخامس، ولا يزال القتل والتشريد والتهجير والتعذيب مستمراً، لكنه لم يعد الخبر الرئيس في وكالات الأنباء، بل أصبح خبراً عادياً يمر دون أن يلقي له أحد بالاً، ولا يزال المجتمع الدولي متخاذلاً عن وقف نزيف الدماء في سوريا.

إن الشعب السوري يمارس حقه المشروع في الدفاع عن النفس مثله كمثل أي شعب محتلـة أرضه ومسلوبة حقوقه. وإن حق مقاومة الاحتلال حق أصيل لكل الشعوب الحرة، فكل حركات التحرر الوطني التي ناضلت وتناضل من أجل تحرير أوطانها من الغزاة البرابرة تستحق منا كل تقدير واحترام.

الشعب السوري بدأ ثورته، ولن يهتم كثيراً بالمتخاذلين الذين لا يعنيهم نجاح الثورة السورية من عدمها.

ميسرة بكور

الكاتب :ميسرة بكور

 

اكتب تعليق

التخطي إلى شريط الأدوات
الصعود لأعلى